سلط معهد الشؤون الخارجية، الضوء على أنشطة مصر في منطقة القرن الأفريقي، قائلاً إنها تعكس نمطًا مألوفًا في الجغرافيا السياسية لحوض النيل: استخدام التحالفات الدبلوماسية والإشارات الاستراتيجية للتعويض عن القيود الهيكلية في مواجهة دول المنبع.
وقال إنه من منظور العلاقات الدولية، يمكن تفسير هذا السلوك من خلال عدسة نظرية الهيمنة المائية، التي توضح كيف تسعى الدول المهيمنة في المصب إلى الحفاظ على سيطرتها على موارد المياه المشتركة عبر مزيج من القوة المادية، وقوة التفاوض، والخطابات الفكرية.
وأشار إلى أنه من الناحية التاريخية، كانت مصر القوة المهيمنة الرئيسة على حوض النيل، حيث شكلت إدارة المياه الإقليمية من خلال المعاهدات الاستعمارية، والضغوط الدبلوماسية، والتضامن الدولي.
إلا أن بناء سد النهضة قد أخلّ بشكل كبير بهذا التوازن التاريخي. فمع تزايد تأكيد دول المنبع على حقوقها التنموية في المياه العابرة للحدود، يشهد حوض النهر ما يصفه الباحثون بأنه تحول من الهيمنة المائية إلى نظام هيدروسياسي أكثر تنازعًا وتعددًا في الأقطاب.
وفي هذا السياق المتطور، قال التقرير إن بروز مصر المتزايد في القرن الأفريقي يبدو أنه ليس اختراقًا استراتيجيًا حاسمًا بقدر ما هو محاولة رمزية لاستعادة النفوذ ضمن مشهد إقليمي متغير.
التسييس الأمني والإشارة الاستراتيجية
وبحسب التقرير، فإنه في ظل تراجع مكانتها التقليدية المهيمنة على المياه، سعت مصر بشكل متزايد إلى تسييس قضية النيل ضمن خطاب سياستها الخارجية، والذي يحمل دلالات جيوسياسية هامة، فمن خلال تأطير النزاع بمصطلحات أمنية، وسّعت القاهرة نطاق أدواتها الاستراتيجية لتتجاوز المفاوضات الدبلوماسية لتشمل الإشارات العسكرية وبناء التحالفات الإقليمية.
وقال إنه ينبغي النظر إلى انخراط مصر المتزايد في القرن الأفريقي، ولا سيما في الصومال، في هذا السياق. فمن خلال اتفاقيات الدفاع، وبرامج التدريب العسكري، والمشاركة في مبادرات تحقيق الاستقرار، سعت القاهرة إلى ترسيخ وجود أمني محدود في منطقة تأثرت تاريخيًا بالنفوذ الإثيوبي.
التدخل العسكري المصري في الصومال
ووضع معهد الشؤون الخارجية التدخل العسكري المصري في الصومال، للإسهام في الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة حركة الشباب المتطرفة ودعم استقرار البلاد، في إطار الأهداف التي تنسجم مع أجندة الأمن الأوسع للاتحاد الأفريقي ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال.
ومع ذلك، قال إن السياق الجيوسياسي يشير إلى أن انخراط مصر يحمل أيضًا قيمة استراتيجية. فقد كانت إثيوبيا من أبرز المساهمين في البنية الأمنية للصومال لما يقرب من عقدين من الزمن، حيث حافظت على قواتها وشبكاتها العملياتية في عدة مناطق.
وبالتالي، يُضيف دخول القاهرة إلى هذا المشهد الأمني بُعدًا جديدًا للتنافس الجيوسياسي. ويرى بعض المحللين أن هذه الخطوة محاولة لموازنة نفوذ إثيوبيا، وإشارة إلى قدرة القاهرة على العمل ضمن جوار إثيوبيا الاستراتيجي المباشر.
ومع ذلك، يبقى الأثر العملي لوجود مصر محدودًا، بحسب التقرير، وهو ما يعزوه إلى قرب إثيوبيا الجغرافي من الصومال، وشراكاتها الأمنية طويلة الأمد مع السلطات الصومالية، وخبرتها العملياتية الواسعة في البلاد، والتي توفر مزايا من غير المرجح أن تتمكن الجهات الخارجية من محاكاتها على المدى القريب.
وبالتالي، فإن الانخراط العسكري لمصر لا يمثل تحولاً جذريًا في ميزان الأمن الإقليمي بقدر ما يمثل تأكيدًا رمزيًا على الأهمية الاستراتيجية، كما يرى التقرير.
الصراعات في القرن الأفريقي
واعتبر معهد الشؤون الخارجية، أن الصراعات في القرن الأفريقي مدفوعة بمجموعة واسعة من العوامل الداخلية والتاريخية والاجتماعية والسياسية التي لا يمكن اختزالها إلى مجرد تدخل خارجي. ومع ذلك، فإن استمرار هذه التصورات يُبرز حقيقة مهمة: ففي الفكر الاستراتيجي الإثيوبي، يُنظر إلى التنافس على النيل منذ زمن طويل ليس فقط على أنه نزاع دبلوماسي حول موارد المياه، بل أيضاً على أنه صراع جيوسياسي أوسع نطاقًا يتكشف عبر ساحات متعددة من السياسة الإقليمية.
وعلى ضوء ذلك، قال إن انخراط مصر المعاصر في القرن الأفريقي، ولا سيما تعاونها الأمني مع الدول المحيطة بإثيوبيا، غالبًا ما يكون استمرارًا لاستراتيجية طويلة الأمد للضغط على الأطراف. وبناءً على هذا التفسير، لا يقتصر النزاع على النيل على مفاوضات إدارة المياه فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من صراع أوسع نطاقًا حول النفوذ الإقليمي، والاستقلال الاستراتيجي، وتوازن القوى المتغير في شمال شرق أفريقيا.
وتتأثر حسابات مصر الاستراتيجية في القرن الأفريقي بشكل أكبر بعلاقاتها مع الدول المجاورة، وخاصة السودان وإريتريا. إذ لطالما حافظت القاهرة على علاقات وثيقة مع النخب العسكرية السودانية، حيث أجرت مناورات عسكرية مشتركة ونسقت مواقف دبلوماسية بشأن مفاوضات النيل. وقد منحت هذه الشراكات مصر نفوذًا على طول الحدود الغربية لإثيوبيا.
في غضون ذلك، دفعت التطورات الجيوسياسية في ممر البحر الأحمر إريتريا إلى الانخراط في تحالفات أمنية إقليمية أوسع. وقد حظيت الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر - أحد أهم طرق التجارة البحرية في العالم - باهتمام متزايد من القوى العالمية والإقليمية على حد سواء.
تصاعد التنافس الجيوسياسي المحيط بحوض النيل
ويعكس تزايد حضور مصر في القرن الأفريقي تصاعد التنافس الجيوسياسي المحيط بحوض النيل. وتُشكل اتفاقيات التعاون العسكري والتحالفات الدبلوماسية ومبادرات المشاركة الإقليمية جزءاً من جهود القاهرة لاستعادة نفوذها في ظل بيئة هيدروسياسية متغيرة.
ومع ذلك، رأى التحليل أن هذه المبادرات تواجه في نهاية المطاف حقيقة هيكلية: فالموقع الجيوسياسي لإثيوبيا وحجمها الديموغرافي ومسارها التنموي يجعل من الصعب على الجهات الفاعلة الخارجية تقييد استقلالها الاستراتيجي بشكل كبير.
وقال إنه بهذا المعنى، يمكن فهم استعراض مصر العسكري على نحو أفضل باعتباره شكلاً من أشكال الإشارة الاستراتيجية بدلاً من كونه أداة إكراه فعّالة. وقد أدى تحوّل حوض النيل -المدفوع بظهور مشاريع البنية التحتية في أعالي النهر والتحالفات الإقليمية الجديدة- إلى تقليص قدرة القاهرة على فرض شروطها على إدارة المياه الإقليمية.

